أسواق الجنوب: عودة بطيئة للحياة إلى "الإثنين" و"الحسبة" -- Sep 28 , 2026 4
بخطوات بطيئة إنّما ثابتة تعود الحركة التجارية إلى الأسواق الجنوبية من جديد. في النبطية، ارتفع عدد بسطات «سوق الإثنين» من نحو 20 إلى 30 بسطة في أول افتتاح له في أول يوم إثنين من شهر أيلول الجاري، إلى 60 بسطة الإثنين الماضي، مع احتمال أن تزيد اليوم. أمّا في صور، فبدأت «الحسبة» تستعيد حركة المزارعين والتجار بعد إعادة فتح محالّها. في السوقين الأساسيين في الجنوب، تعود الخضر والمونة والملابس إلى البسطات، وتُستأنف عملية نقل المحاصيل من الأراضي الجنوبية إلى الأسواق، في محاولة لإعادة دورة البيع والشراء إلى مدن وبلدات الجنوب.
في النبطية، استعاد «سوق الإثنين الشعبي» نسبة 50% من عدد البسطات قبل الحرب، والذي كان يراوح بين 160 و180 بسطة. يقرأ رئيس بلدية النبطية عباس فخر الدين هذه الزيادة باعتبارها مؤشراً إلى ارتفاع عدد العائدين إلى المدينة والقرى المحيطة بها، متوقّعاً أن «تزيد النسبة والإقبال أسبوعاً بعد أسبوع». ويشير إلى أن قسماً من الباعة، ولا سيما أصحاب بسطات البالة والملابس المُستعملة، لم تعد نسبة كبيرة منهم بعد. أمّا البلدية، فتعمل على تسهيل عودة الباعة، إذ قرّرت في هذه المرحلة عدم استيفاء البدلات المالية من البسطات عن إشغال الأملاك العامة، «تشجيعاً للناس على الاستمرار في ظل الأوضاع غير المستقرة».
ولا تقتصر مؤشرات الحركة على السوق الشعبي في النبطية فقط. فإعادة فتح المحالّ التجارية في المدينة، إلى جانب عودة المدارس إلى التعليم في المدينة وقضائها، أعادتا حركة السكان إلى الشوارع. ويقدّر فخر الدين نسبة العائدين حتى الآن بنحو 45%، مشيراً إلى أن الحركة التجارية تسجّل تحسناً ملحوظاً، مع توقعه أن ترتفع نسبة العودة إلى نحو 60% مع نهاية الأسبوع لتعود كما كانت عليه قبل التصعيد الأمني الأخير نهاية آب الماضي.
على الأرض في السوق، محمد حلاوي، من بلدة قعقعية الجسر، يبيع المونة الجنوبية والخُضر منذ 20 عاماً. لكن عودته هذه المرة إلى «سوق الإثنين» جاءت بعد خسارة محصول موسم كامل، فقد كان يزرع نحو 25 دونماً، كما كان ضامناً لأراضٍ مزروعة بالليمون، قبل أن يخسر الموسم كله في فترة النزوح.
ويشير حلاوي إلى أنّ حتى المُنتجات التي وصلت إلى السوق تغيّرت أسعارها وقدرة الناس على شرائها. فمرطبان الزيتون الذي كان يبيعه قبل الحرب بمليوني ليرة، يبيعه اليوم بمليون ليرة، «ومع ذلك ليس هناك بيع كما يجب». ويقدّر قيمة مبيعاته اليومية بنحو 60 دولاراً، معتبراً أنها لا تتناسب مع حجم البضاعة مقارنة بما كان يحقّقه قبل الحرب.
حسبة صور تستعيد حركتها
في صور، تستعيد حُسبة الخضر جزءاً من حركتها، فيما تبقى عودتها مرتبطة بما يمكن للمزارعين الوصول إليه من أراضيهم. فالحسبة سوق مركزي لمدينة صور وضواحيها، كان يقصدها المزارعون من الناقورة وبنت جبيل ومناطق شرق النبطية جنوب الليطاني لبيع مُنتجاتهم. وقبل الحرب، كان نحو 95% من البضاعة التي تصل إليها يأتي من أسواق بيروت وطرابلس والبقاع والفرزل، إلى جانب الخُضر والحمضيات والفواكه المُنتجة في الجنوب.
وعلى الرغم من عودة المحال الـ62 إلى العمل في سوق الحسبة، لا تزال حركة البيع عند نحو 30% من مستويات ما قبل الحرب، بحسب رئيس نقابة سوق الحسبة في مدينة صور علي طالب، الذي يصف الوضع التجاري حالياً بأنه «سيّئ» مقارنة بما قبل الحرب. ويعزو ضعف الحركة إلى تأخّر عودة السكان ومخاوف التجار، فضلاً عن المخاوف الأمنية والوضع الاقتصادي، مشيراً إلى أن عدداً من التجار لم يعد يقصد السوق بسبب الخطر الإسرائيلي. ولا تنفصل حركة السوق عن حجم الإنتاج الذي يصل إليه. فالمزارعون الذين يغذّون الحسبة بالخُضر والحمضيات تعرّضوا لخسائر كبيرة، ويقدّر طالب نسبة الأضرار في مزارع وبساتين المنطقة الممتدّة من الحوش إلى القاسمية بنحو 70% إلى 80% جنوب الليطاني.
كما وصلت خسائر بعض المواسم إلى نسبة 90%، فيما بقيت بساتين الليمون من دون قطاف. ومع تراجع الإنتاج، تضاعف سعر الحمضيات، بيع الليمون في أشهر الصيف بأسعار راوحت بين 20 ألف ليرة و30 ألفاً. في الحرب، لم تتوقف حركة الحسبة بالكامل، حيث بقيت نحو 10 محالّ مفتوحة لتأمين حاجات السكان في صور وقضائها وللنازحين من بنت جبيل ومرجعيون، فيما استمرت متابعة باعة المفرّق، بالتنسيق مع البلدية، في مناطق العباسية وطورا ومعركة والشبريحة وأول الحوش، بهدف تأمين المواد الأساسية وتفادي استغلال حاجة الناس ورفع الأسعار.
وفي هذا السياق، يوضح نائب رئيس جمعية تجار صور وعضو نقابة الحسبة حسن ضاهر، أن «العمل استمر على الرغم من المخاطر التي أحاطت بالحسبة وبطريق تأمين البضاعة». فقد تضررت أبوابها وزجاجها جراء القصف الذي طاول المدينة، فيما كان المزارعون يحاولون الوصول إلى المناطق الأقل ضرراً لقطاف ما يمكن إنقاذه، وتولى أصحاب محال الحسبة نقل البضاعة من البقاع وبيروت وصيدا وسط المخاطر على الطرقات.
وبعد توقف إطلاق النار، احتاج السوق إلى يومين لرفع الأضرار قبل أن يبدأ باستقبال المزارعين القادرين على الوصول إلى أراضيهم، كما جرى التواصل مجدّداً مع التجار القادمين من صيدا وبيروت وطرابلس والبقاع لتحميل المحاصيل. غير أن عودة التجار من خارج المنطقة لا تزال مرتبطة بالوضع الأمني، إذ يشير ضاهر إلى أن تفجيرات المنصوري التي تُسمع صباحاً ومساءً تجعل بعضهم متردّداً في المجيء إلى صور، فيما يواصل أبناء المنطقة العمل، «هنا أرزاقنا وأشغالنا وأرضنا، نتأقلم مع الوضع وواجبنا الاستمرار».
أمّا على مستوى الإنتاج، فتأتي البضاعة اليوم من مناطق قريبة من صور، بينها القاسمية وأبو الأسود والعباسية، بعدما تعذّر على المزارعين الوصول إلى أراضي القليلة والمنصوري، فيما لا يستطيع أصحاب عدد من البساتين بعد منطقة صريفا الوصول إليها. ويقدّر ضاهر أن نحو 25% من مساحة الأراضي المزروعة بالحمضيات التي كانت تغذّي حسبة صور أصبحت اليوم مُحتلة أو تحت النار والتفجيرات.
ومع اقتراب موسم الحمضيات، الممتدّ من منتصف تشرين الأول حتى كانون الثاني، تتجه الأنظار إلى قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم وإنقاذ الموسم والقطاف، ولا سيما أن المزارعين، خصوصاً أصحاب البساتين القريبة من المنصوري، لا يزالون متخوّفين من استئناف الزراعة في ظل احتمال تطور الوضع الأمني، فيما تبقى عودة الإنتاج إلى السوق مرتبطة قبل كل شيء بعودة المزارع إلى أرضه.
نور محمود - الاخبار